قالت مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي إن دور مصر في تسهيل وقف إطلاق النار الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب تركيا وباكستان، أعادها إلى المكانة التي كانت تحتلها في السابق، حيث كانت تدير الأزمات من خلال الدبلوماسية السرية.
ولم يُسلَّط الضوء على دور مصر في المساعدة على تأمين وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في المؤتمرات الصحفية، ولم يُصوَّر كإنجازٍ كبير، لكن المؤسسة أشارت إلى أن دورها بدا تكتيكيًا واستراتيجيًا في آنٍ واحد، من خلال تسهيل الاتصالات وتضييق الفجوة في المواجهة السياسية والعسكرية بين واشنطن وطهران.
تجنب صراع دبلوماسي كبير مع إسرائيل
وقالت مؤسسة كارنيجي نقلاً عن بعض التحليلات، إن دور مصر أُبقي بعيدًا عن الأنظار عمدًا لتجنب صراع دبلوماسي كبير مع إسرائيل، التي تعتبر حربها مع إيران ذات تداعيات وجودية.
وأشارت إلى أن دور مصر في وقف إطلاق النار تم عبر اتصالات استخباراتية، وهي آلية تستخدمها مصر منذ عقود. في هذه الحالة، يبدو أن مسؤولين مصريين ساعدوا في إنشاء قناة اتصال بين واشنطن وطهران في وقت كانت فيه الرسائل المباشرة مكلفة سياسياً لكلا الجانبين.
وبحسب ما نقلت مؤسسة كارنيجي عن التقارير، نقل الوسطاء المصريون مخاوف الولايات المتحدة بشأن تصعيد محتمل في الخليج، كما نقلوا تحذيرات إيرانية بشأن احتمال الرد في حال اتساع رقعة الصراع. وقد ساهم هذا التبادل في تقليل مخاطر سوء التقدير، وسمح لكلا الجانبين باختبار سبل الخروج المحتملة قبل تقديم أي التزامات علنية.
دور جهاز المخابرات العامة المصري
وأشارت إلى أن جهاز المخابرات العامة المصري، الذي اضطلع بدور محوري في وقف إطلاق النار في غزة يلعب دورًا بارزًا في هذا النوع من الدبلوماسية غير الرسمية، حيث ينقل الرسائل، ويوضح الخطوط الحمراء، ويتفاوض على شروط خفض التصعيد دون إجبار أي طرف على المشاركة في حوار علني مباشر.
وقالت إنه في التصعيد الأخير، يبدو أن جهاز المخابرات العامة قد شكّل قناة عملية للتواصل في أوقات الأزمات، إذ قام بنقل رسائل عاجلة بشأن العتبات العسكرية، وتوضيح الإجراءات التي قد تؤدي إلى رد فعل، والإعلان عن القيود المقترحة على الضربات والضربات المضادة.
وبحسب التقارير، نسّق الوسطاء المصريون أيضًا مع جهات إقليمية أخرى مشاركة في جهود الوساطة، لضمان عدم تعارض الرسائل الصادرة عن تركيا أو باكستان مع تلك الصادرة عن القاهرة. ورغم أن التفاصيل لا تزال طي الكتمان، إلا أن هذا النمط يشير إلى أن دور مصر لم يكن يتمحور حول "التوسط في اتفاق" بقدر ما كان يهدف إلى منع الأزمة من الخروج عن السيطرة، وذلك من خلال إبقاء قنوات التواصل مفتوحة في ظل تجميد الجهود الدبلوماسية الرسمية.
تاريخيُا، أشارت "كارنيجي" إلى أن مصر اضطلعت بدور محوري في تهدئة الأزمات الإقليمية، تمثل في ثلاثة أدوار رئيسة. فقد عملت كقناة اتصال غير رسمية لنقل الرسائل، وعززت فكرة أن استقرار دول الخليج يمثل أولوية عربية مشتركة.
وفي الأزمات السابقة، فالت إن مصر استخدمت قنواتها الدبلوماسية والأمنية لتشجيع ضبط النفس وخفض التصعيد بين القوى الإقليمية المتنافسة. ولدى مصر تاريخ طويل في الانخراط في هذه الأدوار، يعود إلى اتفاقيات كامب ديفيد (1978) ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (1979) . وعلى الرغم من أن مصر لم تكن وسيطًا في تلك الاتفاقيات، إلا أن قرارها بالتوقيع عليها أعاد تشكيل المشهد الدبلوماسي الإقليمي، ومنح واشنطن فرصةً كبيرةً في العالم العربي. وتكرر النمط نفسه خلال حرب الخليج 1990-1991، عندما دعمت مصر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد العراق، وساهمت في بناء شرعية إقليمية لتلك الجهود. وقد عزز هذا دور القاهرة كشريك يُعتمد عليه، قادر على صياغة التحالفات وتوفير الدعم السياسي في أوقات الأزمات.
وضع مصر الاقتصادي
وبحسب "كارنيجي"، فإن الدافع وراء مشاركة مصر في أحدث جولة لخفض التصعيد مع إيران كان هو وضعها الاقتصادي الحساس. فمصر تعاني من هشاشة اقتصادية شديدة، إذ تواجه تضخمًا مرتفعًا، ونقصًا في العملات الأجنبية، وعبء ديون هائلاً، ما يعني أنها لا تستطيع تحمل أي اضطرابات في خطوط الشحن أو ارتفاعات مفاجئة في أسعار الطاقة.
وقد أدى التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط والشحن العالمية، ما زاد من حدة التضخم في مصر ورفع فاتورة وارداتها المرتفعة أصلاً، وسرعان ما انعكس هذا الضغط على سوق الصرف، حيث انخفضت قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي، لتصل إلى 55 جنيهًا للدولار الواحد.
وفقًا للتقرير، أثر التصعيد مع إيران على مصر بطرق أخرى أيضًا. فالتوترات الإقليمية تُهدد قطاع السياحة، وهو مصدر هام للعملة الأجنبية، في حين إن احتمال قيام جماعة أنصار الله في اليمن بإغلاق مضيق باب المندب، وبالتالي البحر الأحمر، من شأنه أن يُقلل من عائدات قناة السويس. وكانت هذه من بين العوامل الرئيسة التي شجعت مصر على لعب دور الوساطة، وهو ما عززته علاقاتها الأمنية مع واشنطن.
وقال إن هذه العلاقات تتميز بطابع مؤسسي عميق، وتستفيد من حقيقة أن أجهزة المخابرات المصرية حافظت على روابط قيّمة في جميع أنحاء المنطقة على مدى فترة طويلة.
ومع ذلك، وبغض النظر عن دوافع القاهرة، أشار التقرير إلى أنه لا ينبغي المبالغة في قدرتها على إحداث التغيير. فمصر لا تستطيع إملاء قرارات طهران، ولا يمكنها التأثير على استراتيجية واشنطن الأوسع. إلا أن نشاطها الدبلوماسي حمل رسالة سياسية. فقد أمضت مصر سنوات تراقب تحول الدبلوماسية الإقليمية نحو دول الخليج وغيرها من الوسطاء. ومن خلال لعب دور الوساطة هذه المرة، أشارت مصر إلى واشنطن والمنطقة بأنها لا تزال تحتفظ بمكانتها على طاولة المفاوضات الإقليمية.
وقالت مؤسسة "كارنيجي" إن جهود مصر الدبلوماسية انطوت جزئيًا على اتباع نهج دقيق. فمن خلال مشاركتها في جهود الوساطة، سعت إلى تعزيز علاقاتها مع دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، اللتين قدمتا لها دعمًا ماليًا.
وفي الوقت نفسه، لا ترغب القاهرة في الظهور بمظهر المتبع لقيادة دول الخليج. وقد تواجه مصر ضغوطًا خفية من شركائها الخليجيين، الذين قد يسعون إلى دفعها لاتخاذ مواقف أكثر حزمًا تجاه إيران إذا ما تصاعدت التوترات مجددًا. ومن المرجح أن تتمثل استراتيجية القاهرة في تجنب الانحياز العلني مع الاستمرار في ممارسة دبلوماسية الأزمات، بحسب التقرير.
وفي نهاية المطاف، رأت "كارنيجي" أن دور مصر في تيسير وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران عكس محاولةً مدروسةً لاستعادة مكانتها الدبلوماسية. لا تحتاج القاهرة إلى الهيمنة السياسية على المنطقة لتستعيد أهميتها، بل يكفيها التواجد الفعال في أوقات عدم الاستقرار. ومن خلال تقديم خبرتها الدبلوماسية، تُظهر مصر أنه حتى وإن تراجع نفوذها الإقليمي في السنوات الأخيرة، فإنه لم يختفِ.
https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2026/04/egypt-discrete-role-in-the-ceasefire-with-iran

